الجامعة اللبنانية: تعسُّف سلطوي يُهشِّم وظيفتها

كتب د. *يوسف كلوت في “بوابة التربية”:

إن قرار عميد كلية الطب في الجامعة اللبنانية د. يوسف فارس، القاضي بإيقاف الطالب هادي شمَّاع لمدة شهر وتبعاً حرمانه من إجراء الإمتحانات على خلفية مشاركة منشور يطال العميد في الفايسبوك، هو تفصيل على أصل، فالأصل في آداء السلطة داخل الجامعة اللبنانية هو التعسُّف، والسلطة داخل الجامعة اللبنانية ليست طرفاً واحداً بل هي القوى الحكومية النيابية مجتمعة، ونظرة بسيطة على خريطة اتخاذ القرار الجامعي أي توزيع العمداء والمدراء ورؤساء الأقسام ومراكز الأبحاث تكفي لإثبات ذلك دون أي عناء. وهي القوى التي تملك في الوقت نفسه جامعات خاصة بشكل مباشر أو تملك حصة فيها أو ترعاها مباشرة أو مواربةً.

تعسُّف ما قبل الطائف

كان القرار السياسي قبل الطائف يمنع تطور الجامعة اللبنانية خدمة للغلبة السياسية الطائفية القائمة آنذاك، فإحدى المرتكزات الأساسية لهذه الغلبة كانت منع الولادات العلمية المجانية من الفئات المُهمشة والمحرومة الطرفية منها وتلك التي تسكن في أحزمة البؤس داخل بيروت، وقد كان ذلك عسف عنصري بنيوي، ولم ينته بشكل كلي بعد إتفاق الطائف، وهذه المرة كان أيضاً بأيدي النخب التي مثَّلت هذه الفئات المُهمشة والمحرومة!

وأشير إلى أن الكليات والمعاهد في الجامعة اللبنانية في تلك الفترة لم تُنشأ إلا بتحركات طالبية عارمة، وكذلك لم تُعتمد اللغة العربية كأصل في التدريس إلا على خلفية تلك التحركات.

تعسُّف ما بعد الطائف

أما بعد الطائف فبدأ تعسُّف من نوع آخر داخل الجامعة، وهو تخريبها بالمحاصصة السياسية، تخريب تصاعد بعد العام ٢٠٠٥ بمشاركة كل القوى الحكومية النيابية، حيث أصبحت الجامعة اللبنانية ملفاً سياسياً بالكامل من الرئيس إلى الحاجب وما بينهما. وقد اندرج هذا التعسُّف في سياق التعايش والتعاضد المصلحي بين القوى التي حوَّلت مركز العاصمة إلى شركة (سوليدير) ورهنت البلد بالدين العام للمصارف والخارج، وبين القوى التي حوَّلت الوطن إلى ساحة وموقع للنفوذ في إطار وهم التوازن السلبي الإقليمي الدولي. نعم، تعايش وتعاضد مصلحي سمح بمصادرة الملكية العامة وتفكيك المدينة وتخليع الخدمة العامة التي يشكِّل التعليم الرسمي عمادها، وصولاً إلى الآن حيث يتم ضرب الوظيفة العامة وتفكيك المؤسسات والوطن.

بدأ هذا التخريب ينسحب على كل مفاصل الجامعة بعد مصادرة القرار الأكاديمي الإداري عام ١٩٩٧ من مجلس الجامعة ووضعه في مجلس الوزراء. حيث تصاعد مع هذا الإجراء السياسي التعسفي تهشيم المعايير الأكاديمية والقانونية والإدارية في التعاقد مع الأساتذة وأيضاً في تفريغهم وتثبيتهم وفي تعيين رئيس الجامعة والعمداء والمدراء، وتبعاً لذلك تم ضرب السويَّة النقابية على مستويي الأساتذة والطلاب. كما وبدأ تقليص حجم الجامعة على مستوى الطلاب لصالح الجامعات الخاصة، وذلك بالحواجز التصفوية التعسفية التي تمت وتتم تحت عناوين براقة كـ “رفع المستوى” و “عدم تخمة سوق العمل” والاستجابة لـ “معايير الجودة” التي تمنحها الدول الغربية والمؤسسات الدولية، وفي الحقيقة والواقع لم تكن العناوين البراقة إلا وسيلة دونية لإنخراط النخب التي استحوذت على تمثيل الفئات الشعبية المُهمَّشة في ديناميات الغلبة، وذلك بغية تأصيل وضعتيها كوكيل قادر على ضبط هذه الفئات، ولم تكن أيضاً إلا خضوعهم لإملاءات البنك الدولي وصندوق النقد الدولي على مستوى التعليم، تلك الإملاءات التي تريد إدراج التعليم العالي في سياق السوق بشكل كامل، أي عملياً جعله تعليماً للاغنياء فقط والمحظيين عند أهل السياسة والكياسة والقداسة اي الأزلام والمحاسب والموالين المطيعين، والنقطة الأخيرة هي التي تشكل التقاطع الذي تستفيد منه النخب المذكورة من جراء الخضوع لهذه الإملاءات.

منطق الحواجز التصفوية التعسفية تقنياً

يعمل منطق الحواجز التصفوية التعسفية إنطلاقاً من ضرب القاعدة البديهية التي تقوم على أن “النجاح يساوي الترفيع”، فيتم بذلك ضرب “كامل حق” الطالب بالترفيع بعد النجاح، يتم ضربه خلافاً للمراسيم النافذة التي تفرض تطبيق نظام الـ LMD الأوروبي في الجامعة اللبنانية، هذا النظام الذي يقوم في أوروبا على زيادة أعداد الطلاب وتوجيههم وتصويب خياراتهم بناء على علاماتهم ضمن جامعاتهم وليس على قذفهم، في الماستر والدكتوراه، خارج أسوارها الأكاديمية إلى بوابات الجامعات الخاصة بحجة رفع المستوى كما حصل ويحصل الآن في الجامعة اللبنانية. ونذكر من هذه المراسيم التي تتم مخالفتها أو تاويلها بما يخالف منطقها، على سبيل المثال لا الحصر، المرسوم ١٤٨٤٠ والمرسوم ٢٢٢٥ لا سيما المادة العاشرة منه التي يتم تأولها تصفوياً خلافاً لمنطقه القانوني والأكاديمي والإداري.

أضف إلى هذا التعسف تعسف رهن الدخول إلى كليات الطب والهندسة والصيدلة وإدارة الأعمال والصحة بمباريات تتم المنافسة فيها على أساس قبول عدد قليل من الطلاب في العام الدراسي لكل كلية من الكليات المذكورة. فما معنى ذلك في ظل دخول المئات وأكثر إلى هذه الإختصاصات في الجامعات الخاصة؟ وما معنى تحديد عدد طلاب الماستر في كل اختصاص بعشرين طالب، في ظل دخول الآلاف في الجامعات الخاصة؟ وما معنى تحديد عدد طلاب الدكتوراه في كل معهد من معاهد الدكتوراه بالعشرات في ظل دخول المئات إلى الجامعات الخاصة؟

إن تقليص أعداد طلاب الجامعة اللبنانية – والحالة هذه – وبالتالي تقليص الولادات العلمية منها على مستوى المهن الحرة كالطب والصيدلة والهندسة وسواها من الاختصاصات، وعلى مستوى الماستر والدكتوراه، لا يصب البتَّة في خانة “رفع المستوى”، لأن رفع المستوى لا يتم بالحواجز بل بصيغة الجامعة الباحثة والأستاذ الباحث والطالب الباحث. وبالتأكيد لا يمنع هذا التقليص تخمة سوق العمل بالخريجين، وهي على كل حال ليست مهمة الجامعة، بل يصب مباشرة في مصلحة الجامعات الخاصة بشكل مباشر استجابة لديناميات الغلبة التاريخية ومنطق البنك الدولي، تلك الجامعات التي تملكها القوى الحكومية النيابية أو تملك حصة فيها أو ترعاها مباشرة أو مواربةً كما ذكرنا في مطلع المقال. فالحواجز التصفوية إذن لا تقلَّص الولادات العلمية عموماً بل تقلِّصُها من الجامعة اللبنانية، التي باتت تشكل في ظل إنعدام قدرة الأسر على تعليم أبنائها في الجامعات الخاصة والأجنبية، الإطار الوحيد الذي يسمح لأبناء الفئات المهمَّشة المحرومة والمستضعفة وسكان الأطراف وأحزمة البؤس بالترقي العلمي والمهني والإجتماعي.

إنتفاضة طلاب كلية الطب والإنتفاضات التي سبقتها

كشفت إنتفاضة طلاب كلية الطب أن تضامن الجسم الطالبي في مواجهة عسف السلطة وطغيانها هو تضامن فعَّال ومؤثر ورادع، وما يؤشر إلى ذلك اضطرار عميد كلية الطب بتأجيل الزمتحانات التي كانت مقررة يوم الجمعة في ٢٣ تموز ٢٠٢١. نعم تضامن رادع وفعَّال تماماً كما كشفت تحركات طالبية عدة حصلت في العقد الأخير لإزالة الحواجز التصفوية التعسفية في كلية إدارة الأعمال وكلية العلوم وكلية الحقوق والمعهد العالي للدكتوراه في الآداب والعلوم الإنسانية والإجتماعية، وهي تجارب إما تمَّت عرقلتها وإما تم الإنقلاب على نجاحها من ممثلي القوى الحكومية النيابية في الجامعة اللبنانية.

هامة جداً إنتفاضة طلاب كلية الطب لطلاب الجامعة اللبنانية عموماً ولطلاب المرحلة الثانوية، إذا ما تم التعاطي معها كنقطة إنطلاق تستكمل منطق التحركات التي سبقتها، وذلك بغية إزالة الحواجز التصفوية التعسفية ومن ثم فتح الجامعة اللبنانية لتستوعب كل من يريد الدخول إليها والترقي العلمي داخلها، فهذه المسألة أصبحت مسألة حياة أو موت بالنسبة لطلاب لبنان في ظل الظروف الإقتصادية والمالية والنقدية القائمة، فإن لم تُفتح الجامعة اللبنانية لتستوعب الجميع في العام الجامعي المقبل، فإن الكثير من طلاب لبنان مهدَّدون بعدم القدرة على الدخول إلى الجامعات. فلا بد من مواجهة مستمرة لتعسف السلطة في الجامعة اللبنانية، هذا التعسف الذي ضرب وظيفتها التي تتمثل بتأمين الترقي العلمي والمهني والإجتماعي لعموم المواطنين، وبالإنتاج العلمي، وكذلك تأمين البيئة المناسبة لممارسة الشأن العام والحريات العامة والنقد.

سأشير، للعبرة والإستفادة، إلى إنتفاضة طلاب العلوم الإجتماعية في المعهد العالي للدكتوراه في الآداب والعلوم الإنسانية والإجتماعية كوني كنت مشاركاً فيها من موقعي كطالب دكتوراه آنذاك ومنسق لجنة المتابعة لطلاب دكتوراه العلوم الإجتماعية، وهي تجربة شارك فيها أساتذة وطلاب كثر من الفرع الأول في معهد العلوم الإجتماعية، وأخص بالذكر من الأساتذة د. نظير جاهل. فقد بدأت تحركاتنا التي لم تهدأ على مدار سنوات منذ مقاطعة الإمتحانات التعسفية في ١٩- ١١ – ٢٠١١، وبالفعل تمكنَّا من إزالة الحواجز التصفوية التعسفية عملياً وقانونياً، وتم فتح معهد الدكتوراه لكل أصحاب الحقوق دون مِنَّة من أحد. تم فتح المعهد قانونياً آنذاك بتجميد القرار ٢٦٥٦ التصفوي وإعادة إحياء المرسوم ٩٠٠ ومن ثم بالقرار ٣٨٥٨ الذي لعب عميد المعهد الأسبق (د. محمد بدوي الشهال) دوراً حاسماً في عملية إقراره. وفي سياق هذه التحركات تم إعادة الماسترات إلى الفروع في المناطق وتحريرها من الحواجز التصفوية التعسفية ومن عائق الوقت والمسافة بفعل المركزة.

الإنقلاب على نجاح تجربة ضرب العسُّف

بعد فترة من نجاح تجربة طلاب العلوم الإجتماعية، وبفعل غياب المتابعة والتحركات الطالبية، عاد مبضع التقليص للإشتغال مجدداً في الماسترات حيث فُصِل النجاح عن الترفيع بين الإجازة والسنة الأولى ماستر M1 بامتحانات دخول تعسفية، وتم تقلص عدد الطلاب في كل ماستر إلى العشرين طالب وما دون، وأحياناً تم فرض إمتحانات دخول ومعدلات للإنتقال من السنة الأولى ماستر M1 إلى السنة الثانية ماستر M2، وهو ما أدَّى ويؤدي حتى الآن إلى ترحيل آلاف طلاب الماستر في مختلف الإختصاصات من الجامعة اللبنانية إلى الجامعات الخاصة، وغير المستطيع منهم مادياً – وهم كُثُر – تم دفعه قسراً إلى التوقُّف عن الترقي العلمي وبالتالي تدني شروط دخوله إلى سوق العمل.

أما على مستوى الدكتوراه فقد بادرت القوة السياسية التي استلمت المعهد العالي للدكتوراه في الآداب والعلوم الإنسانية والإجتماعية بشكل مباشر مع العميد الحالي (د. محمد محسن) وعبره وبالشراكة مع رئيس الجامعة الجديد آنذاك د. فؤاد أيوب بالإنقلاب عملياً على منطق القرار ٣٨٥٨ الذي نظَّم المعهد على دينامية البحث كما في نظام LMD الأوروبي وحرَّره من الذهنية التصفوية التعسفية وذهنية الاتصالات والـ ٦ و٦ مكرر طائفي والـ ٦ و٦ مكرر سياسي داخل كل طائفة، وذلك بعد أن كانت هذه القوة قد أسهمت بشكل إيجابي في بدايات تحرك الطلاب في المعهد في العام ٢٠١١، لكن “شربت حنجولة”!. ومن ثمَّ تم تقليص عدد الطلاب سنوياً إلى ما دون المئة طالب من الكليات الخمس التي يتشكَّل منها المعهد، وعادت الحواجز التصفوية التعسفية بصورة معدلات وإجراءات وشروط مبالغ فيها تحت عنوان “رفع المستوى” و”منع تخمة سوق العمل”، وتم منع طلاب الماستر المهني من الدخول إلى الدكتوراه خلافاً للمادة ١٥ من القرار ٣٨٥٨، وانتظم المعهد مجدداً على توازنات تصفوية جزء منها نفسي عند بعض النخب الجهازية المتحكمة، إلا أن الأساسي في هذه التوازنات التصفوية هو الاستجابة لمنطق الغلبة التاريخية الذي قامت عليه الجامعة اللبنانية ومنطق البنك الدولي وخدمة الجامعات الخاصة واستخدام المعهد كآداة للإستزلام على قاعدة ٦ و٦ مكرر طائفي وأيضاً ٦ و٦ مكرر سياسي داخل كل طائفة

📲 أعلن على موقعنا اضغط هنا للتواصل